العلامة المجلسي

249

بحار الأنوار

وقال القطب الراوندي رحمه الله بعد ذكر المعنيين المحكيين عن ابن قتيبة وأبي عبيد : وقال المرتضى فيه وجها ثالثا ، أي من أحبنا فليزم نفسه وليقدها إلى الطاعات ، وليذللها على الصبر عما كره منها ، فالفقر : أن يحز أنف البعير فيلوى عليه حبل يذلل به الصعب ، يقال : فقره إذا فعل به ذلك انتهى . ولا يخفي أنه لو كان المراد الصبر على الفقر وستره والكف عن إظهار الحاجة إلى الناس ، وذلك هو المعبر عنه بالجلباب ، كما أشير إليه أولا ، لا يقدح فيه ما ذكره أبو عبيد من أن : فيمن يحبهم مثل ما في سائر الناس من الغنى ، لان الامر بالصبر والستر حينئذ يتوجه إلى من ابتلاه الله بالفقر ، فالمراد : أن من ابتلى من محبينا بالفقر ، فليصبر عليه ولا يكشفها ، ولا يستفاد منه فقد الغنى من الشيعة . وأما الخبر الأول فقد قيل : يحتمل أن تكون مفاده صعوبة حمل محبتهم الكاملة ، فيكون قريبا من قوله عليه السلام : إن أمرنا صعب مستصعب ، لا يحتمله إلا ملك مقرب ، أو نبي مرسل ، أو عبد امتحن الله قلبه للايمان ( 1 ) . فتهافت الجبل حينئذ لثقل هذا الحمل ، وشدة المهابة ، كقوله تعالى " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله " ( 2 ) وقوله تعالى : " إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها " ( 3 ) والظاهر من المقام أنه ليس المراد بالمحبة ، ما في العوام والأوساط بل ما يستلزم التشبه به عليه السلام على وجه كامل ، والاقتداء التام به عليه السلام في الفضائل ومحاسن الأعمال ، على قدر الطاقة ، وإن كانت درجته الرفيعة فوق إدراك الافهام ، وأعلى من أن تناله الأوهام ، وحق للجبل أن يتهافت عن حمل مثل ذلك الحمل .

--> ( 1 ) راجع الكافي ج 1 ص 401 . بصائر الدرجات ص 20 . ( 2 ) الحشر : 21 . ( 3 ) الأحزاب : 73 .